فخر الدين الرازي

195

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

مقدم على خبر الواحد ، لكن هذا إنما يستقيم إذا لم يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المسلمين إنما رجعوا في معرفة وجوه الحرمة إلى هذه الآية ، فدل انعقاد إجماعهم على أنها غير مخصوصة ببيان حرمة الأكل ، وللسائل أن يمنع هذا الإجماع . المسألة الثالثة : الميتة من حيث اللغة هو الذي خرج من أن يكون حيا من دون نقض بنية ولذلك فرقوا بين المقتول والميت ، وأما من جهة الشرع فهو غير المذكى إما لأنه لم يذبح أو أنه ذبح ولكن لم يكن ذبحه ذكاة وسنذكر حد الزكاة في موضعه ، فإن قيل : كيف يصح ذلك وقد قال تعالى في سورة المائدة : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [ المائدة : 3 ] ثم ذكر من بعده المنخنقة والموقوذة والمتردية فدل هذا على أن غير المذكى منه ما هو ميتة ومنه ما ليس كذلك ، قلنا لعل الأمر كان في ابتداء الشرع على أصل اللغة ، وأما بعد استقرار الشرع فالميتة ما ذكرناه واللّه أعلم . أما المقاصد فاعلم أن الخطأ في المسائل المستنبطة من هذه الآية من وجهين أحدهما : ما أخرجوه عن الآية وهو داخل فيها والثاني : ما أدخلوه فيها وهو خارج عنها . أما القسم الأول [ أي ما خرجوه عن الآية ] : ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذهب الشافعي رضي اللّه عنه في أظهر أقواله إلى أنه يحرم الانتفاع بصوف الميتة وشعرها وعظمها وقال مالك : يحرم الانتفاع بعظمها خاصة وجل الفقهاء اتفقوا على تحريم الانتفاع بشعر الخنزير ، واحتج هؤلاء بأن هذه الأشياء ميتة فوجب أن يحرم الانتفاع بها ، إنما قلنا إنها ميتة لقوله عليه السلام : « ما أبين من حي فهو ميت » وهذا الخبر يعم الشعر والعظم والكل وأما الذي يدل على أن العظم ميتة خاصة فقوله تعالى : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [ يس : 78 ] فثبت أنها كانت حية فعند الموت تصير ميتة وإذا ثبت أنها ميتة وجب أن يحرم الانتفاع بها لقوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ اعترض المخالف عليه بأن الشعر والصوف لا حياة فيه ، لأن حكم الحياة الإدراك والشعور وذلك مفقود في الشعر ولأجل هذا الكلام ذهب مالك إلى تنجيس العظام دون الشعور . والجواب : أن الحياة ليست عبارة عن المعنى المقتضى للإدراك والشعور بدليل الآية والخبر أما الآية فقوله تعالى : كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [ الروم : 50 ] وأما الخبر فقوله عليه السلام : « من أحيا أرضا ميتة فهي له » والأصل في الإطلاق الحقيقة ، فعلمنا أن الحياة في أصل اللغة ليست عبارة عما ذكرتموه ، بل عن كون الحيوان أو النبات صحيحا في مزاجه معتدلا في حاله غير معترض للفساد والتعفن والتفرق ، وإذا ثبت ذلك ظهر اندراجه تحت الآية ، واحتج أبو حنيفة بالقرآن والخبر والإجماع والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى : وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ [ النحل : 80 ] حيث ذكرها في معرض المنة ، والامتنان لا يقع بالجنس الذي لا يحل الانتفاع به ، وأما الخبر فقوله عليه السلام في شاة ميمونة « إنما حرم من الميتة أكلها » وأما الإجماع ، فهو أنهم كانوا يلبسون جلود الثعالب ، ويجعلون منها القلانس ، وعن النخعي : كانوا لا يرون بجلود السباع وجلود الميتة إذا دبغت بأسا ، وما خصوا حال الشعر وعدمه وقول الشافعي : كانوا إشارة إلى الصحابة وليس لأحد أن يقول الثعلب عند الشافعي رضي اللّه عنه حلال ، فلهذا يقول بإباحته لأن الزكاة شرط بالاتفاق وهو غير حاصل في هذه الثعالب ، وأما القياس فلأن هذه الشعور والعظام أجسام منتفع بها غير متعرضة